محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الله ، عن عمرو بن سليم وغيره ، عن سعيد بن المسيب ، في قوله : وَلا تُسْرِفُوا قال : الإسراف لا تمنعوا الصدقة فتعصوا . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا محمد بن الزبرقان ، قال : ثنا محمد بن عبيدة ، عن محمد بن كعب : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ والسرف الإسراف : أن لا يعطي في حق . وقال آخرون : إنما خوطب بهذا السلطان الإسراف : نهى أن يأخذ من رب المال فوق الذي ألزم الله ماله . ذكر من قال ذلك . حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تُسْرِفُوا الإسراف قال : قال للسلطان : لا تسرفوا ، لا تأخذوا بغير حق فكانت هذه الآية بين السلطان وبين الناس ، يعني قوله : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ الآية . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى بقوله : وَلا تُسْرِفُوا عن جميع معاني الإسراف ، ولم يخصص منها معنى دون معنى . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الإسراف في كلام العرب : الإخطاء بإصابة الحق في العطية ، إما بتجاوز حده في الزيادة وإما بتقصير عن حده الواجب ؛ كان معلوما أن المفرق ماله مباراة والباذلة للناس حتى أجحفت به عطيته ، مسرف بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له ، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه ، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه ، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها ، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه . كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون ، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله : وَلا تُسْرِفُوا في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم ، إذ كان ما قبله من الكلام أمرا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده ، فإن الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاص من الأمور والحكم بها على العام ، بل عامة أي القرآن كذلك ، فكذلك قوله : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى الإسراف أنه على ما قلنا قول الشاعر : أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف يعني بالسرف : الخطأ في العطية . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً يقول تعالى ذكره : وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ، مع ما أنشأ من الجنات المعروشات وغير المعروشات . والحمولة : ما حمل عليه من الإبل وغيرها ، والفرش : صغار الإبل التي لم تدرك أن يحمل عليها . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : الحمولة : ما حمل عليه من كبار الإبل ومسانها ؛ والفرش : صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، في قوله : حَمُولَةً وَفَرْشاً قال : الحمولة : الكبار من الإبل ؛ وفرشا : الصغار من الإبل . حدثنا ابن وكيع وقال : ثنا أبي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : الحمولة هي الكبار ، والفرش : الصغار من الإبل . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، قال : الحمولة : ما حمل من الإبل ، والفرش : ما لم يحمل . وبه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن مجاهد : الحمولة : ما حمل من الإبل ، والفرش : ما لم يحمل . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا